الرئيس جون فيتزجيرالد كينيدي
واشنطن العاصمة
10 حزيران (يونيو) 1963

السيد الرئيس "أندرسون"، السادة أعضاء هيئة التدريس، السادةأعضاء مجلس الأمناء، السادة الضيوف الأجلاء، زميلي القديم السناتور "بوب بيرد" الذي حصل على درجته العلمية بعد سنوات عديدة من الدراسة الليلية في كلية الحقوق، بينما سأحصل على درجتي خلال نصف الساعة المقبلة، الحفل الكريم، السيدات والسادة:

إنه من دواعي عظيم الفخر أن أشارك في هذا الحفل المُقام في "الجامعة الأمريكية" والذي ترعاه "الكنيسة الميثودية" التي أسسها الأسقف "جون فيلتشر هورست" وشرفت بافتتاح السيد الرئيس "وودرو ويلسون" لها عام 1914. وبالرغم من كون هذه الجامعة جامعة شابة ونامية، إلا أنها حققت بالفعل أمل الأسقف "هورست" في نشر التنوير بدراسة التاريخ والشؤون العامة في مدينة تكرس جهودها لصناعة التاريخ وإقامة الأعمال التجارية العامة. إن أتباع "الكنيسة الميثودية" في هذه المنطقة والأمة جمعاء جديرون بشكر الأمة لهم على رعايتهم لهذه المؤسسة العالية التي تقدم التعليم للجميع بصرف النظر عن اللون أو العقيدة، وإني لأُثني على جميع خريجيها اليوم.

قال البروفيسور "وودرو ويلسون" ذات مرة إن كل إنسان تخرج في الجامعة ينبغي أن يكون في خدمة أمته ومُلمًا بعصره ومواكبًا له، وإني لعلى ثقة من أن الشباب والشابات الذين تشرفوا بالتخرج في هذه المؤسسة سيواصلون العطاء السامي من أرواحهم وملكاتهم في ميادين الخدمة العامة والدعم العام.

لقد كتب "جون ماسفيلد" تعبيرًا عن تقديره واحترامه للجامعات الإنجليزية: "من أجمل الأشياء في الوجود الجامعة، ولا يفوقها جمالاً إلا القليل"، ولا تزال كلماته صحيحة اليوم. فهو لم يشر إلى القمم الشاهقة ولا الأبراج العالية ولا جماعات الحفاظ على البيئة داخل الحرم الجامعي ولا الجدران المكسوة بنبات اللبلاب، بل أعجبه الجمال الرائع للجامعة؛ حيث إنها على حد تعبيره "مكان يجتهد فيه من يكرهون الجهل لتحصيل المعرفة، ومكان يجتهد فيه من يبصرون الحقيقة كي يراها الآخرون".

لهذا اخترت هذا الزمان والمكان لمناقشة موضوع غالبًا ما يسوده الجهل ونادرًا ما تُدرَك حقيقته؛ غير أنه أهم موضوع على وجه الأرض: إنه السلام العالمي.

ما نوع السلام الذي أعنيه؟ ما نوع السلام الذي نسعى إليه؟ ليس "السلام الأمريكي" الذي تفرضه آلة الحرب الأمريكية على العالم، أو السلام الذي يخيم على القبور، أو سلام العبيد. إنني أتحدث عن السلام الحقيقي؛ السلام الذي يجعل العيش على الأرض يستحق الحياة، السلام الذي يتيح للإنسان والأمم النمو والأمل في بناء حياة أفضل لأبنائها، وليس السلام المقتصر على الشعب الأمريكي فحسب، بل السلام لجميع الرجال والنساء، وليس السلام الذي يعم وقتنا هذا فحسب، بل السلام في جميع الأزمان.

أتحدث عن السلام بسبب الوجه الجديد للحرب، فلم يعد للحرب الشاملة معنى في زمن تمتلك فيه الدول العظمى القوى النووية الضخمة والمنيعة، وترفض الخضوع دون اللجوء إلى هذه القوى. لم تعد هذه الحرب معقولة في زمن يحتوي فيه سلاح نووي واحد على ما يقارب عشرة أضعاف القوة التفجيرية التي استخدمتها القوات الجوية للحلفاء مجتمعة في "الحرب العالمية الثانية". لقد فقدت الحرب الشاملة معناها في زمن تحمل فيه الرياح والمياه والتربة والبذور السموم الفتّاكة التي تنتج من تفاعل نووي واحد لتصل إلى أقصى أرجاء الكرة الأرضية، بل وإلى الأجيال التي لم تأتِ بعد إلى الحياة.

إن مليارات الدولارات الأمريكية التي تُنفق في الوقت الحالي سنويًا للحصول على الأسلحة بهدف ضمان عدم استخدامها أبدًا لأمر ضروري لحفظ السلام؛ غير أن امتلاك هذا المخزون الضخم غير المستخدَم ليس وحده - بكل تأكيد - السبيل لضمان تحقيق السلام، بل هو أقل السُبل فعّالية لهذا الغرض؛ حيث إنه يدمر فحسب ولا يمكنه البناء.

لذا، أتحدث عن السلام باعتباره الغاية الضرورية العقلانية للإنسان الحكيم. أُدرك أن السعي وراء تحقيق السلام ليس أمرًا مثيرًا كالسعي وراء الحرب، وأن كثيرًا ما تلقى كلمات الساعي إلى السلام آذانًا صماء. ولكننا ليست لدينا مهمة أكثر إلحاحًا منه.

يقول البعض إنه من غير المُجدي الحديث عن السلام الدولي أو القانون الدولي أو نزع السلاح الدولي، وسيظل الأمر عديم الفائدة إلى أن يتبنى زعماء "الاتحاد السوفيتي" موقفًا أكثر استنارة. وإني ليحدوني الأمل في أن يفعلوا ذلك، ولكني أعتقد أيضًا أنه يتعين علينا إعادة النظر في موقفنا نحن - كأفراد وكأمة واحدة - حيث إن موقفنا ضروري هو الآخر كموقفهم. ينبغي لكل متخرج في هذه الكلية، وكل مواطن رصين ضاق بالحرب ذرعًا ويأمل في إحداث السلام، أن ينظر داخله، ويراجع موقفه تجاه إمكانيات تحقيق السلام، وتجاه "الاتحاد السوفيتي"، وتجاه مسار الحرب الباردة، وتجاه الحرية والسلام هنا في وطننا.

أولاً: دعونا نراجع موقفنا تجاه السلام ذاته؛ يعتقد الكثير منا أن بلوغه مستحيل، ويرى السواد الأعظم أن تحقيقه أمر خيالي، وذلك معتقد انهزاميّ خطير، وهو ما يقود إلى الاستنتاج بأن الحرب أمر لا مفر منه، وأنه مقدّر على البشرية أن تتحكم فيها قوى تتعذر علينا السيطرة عليها.

وعلينا ألا نقبل بهذا الرأي، فالمشكلات التي تقع فيها البشرية ما هي إلا من صنع الإنسان، وبذلك، يستطيع الإنسان حلها. ويمكن للإنسان أن يكون عظيمًا بالقدر الذي يرغب فيه، فليست هناك مشكلة تتعلق بمصير الإنسانية تقع خارج نطاق سيطرة الإنسان، فكثيرًا ما استطاع الإنسان بعقله وروحه حلّ المشكلات التي كانت تبدو غير ممكنة الحل، ونحن نعتقد بأننا يمكننا عمل ذلك ثانية.

إنني هنا لا أشير إلى المفهوم المطلق للسلام وحسن النوايا اللذين يحلم بهما بعض الواهمين والمتشددين. إنني لا أنكر قيمة الآمال والأحلام، ولكننا إذا جعلنا هذا هو هدفنا الوحيد والمباشر، فإننا بذلك ندعو إلى فتور الهمة والتشكك في القدرة على تحقيقه.

دعونا نركز بدلاً من هذا على نوع من السلام يتسم بقدر أكبر من العملية وقابلية التحقيق - وليس السلام القائم على الثورة المفاجئة في طبيعة الإنسان بل على التطور التدريجي في المؤسسات الإنسانية - السلام القائم على سلسلة من الإجراءات الملموسة والاتفاقيات الفعّالة التي تصبُّ في صالح جميع الأطراف المعنية. ليس هناك مفتاح واحد سهل لتحقيق هذا السلام، وليست هناك معادلة رئيسية أو سحرية تتبناها قوة أو قوتان. يجب أن يكون السلام الحقيقي نتاج عمل الكثير من الأمم، يجب أن يتسم بالحركة، دون السكون والثبات، وأن يتحلى بالتغير للتماشي مع التحدي الذي يواجه كل جيل من الأجيال؛ لأن السلام عملية مستمرة وسبيل لحل المشكلات.

وستبقى في ظل هذا السلام نزاعات ومصالح متعارضة، تمامًا كما هو الحال داخل الأسر والأمم. إن السلام الدولي، شأنه شأن السلام المجتمعي، لا يقتضي أن يحب كل إنسان جاره، بل يتطلب فحسب أن يعيش الإنسان مع جاره جنبًا إلى جنب في تسامح متبادل، على أن يفضّوا نزاعاتهم من خلال تسوية عادلة وسلمية. ويعلمنا التاريخ أن العداوات بين الأمم لا تدوم إلى الأبد، تمامًا مثلما هي بين الأفراد. وعلى الرغم من أن الأمور التي نحبها ونكرهها قد تبدو ثابتة، إلا أن مسار الزمن والأحداث غالبًا ما يأتي بتغييرات مفاجئة في العلاقات بين الأمم والجيران.

لذا دعونا نتحلَّ بالمثابرة. ويجب ألا يكون السلام خيالاً مُحالٌ تحقيقه، وألا تكون الحرب واقعًا مُحالٌ اجتنابه. ومن خلال تحديد أهدافنا بشكل أكثر وضوحًا وصياغتها لتبدو أكثر سهولة وأقل بُعدًا عن المنال، يمكننا مساعدة جميع الشعوب لإبصارها، واستمداد الأمل منها، والتحرك نحو بلوغها بلا هوادة.

ثانيًا: دعونا نعيد الكرّة لمراجعة موقفنا تجاه "الاتحاد السوفيتي". إنه من المحبط حقًا أن نعتقد في احتمال تصديق زعماء الاتحاد لما يكتبه مروجو الدعاية لديهم. إنه من دواعي الشعور بالإحباط أن تقرأ نصًا رسميًا سوفيتيًا حديثًا يتناول "الإستراتيجية العسكرية" وتجد في صفحة تلو الأخرى ادعاءات غير معقولة ولا أساس لها من الصحة، مثل الادعاء بأن "الدوائر الإمبريالية الأمريكية تجهز لشن أنواع مختلفة من الحروب. بما يمثل تهديدًا جد حقيقي بشن أنصار الإمبريالية الأمريكية لحرب وقائية ضد "الاتحاد السوفيتي". . وترنو [هذه] الأهداف السياسية لأنصار الإمبريالية الأمريكية لاستعباد الدول الأوروبية وغيرها من الدول الرأسمالية من الناحية الاقتصادية والسياسية. [و] تحقيق السيطرة على العالم. عن طريق الحروب العنيفة".

حقٌّ ما جاء في الكتابات القديمة: "إن الفرار المرير هو عندما لا يريد الإنسان أن يسعى لتحقيق شيء". إنه من المحزن أن تقرأ هذه التصريحات السوفيتية لتدرك مدى الهوة الفاصلة بيننا. لكنه أيضًا يأتي بمثابة تحذير – تحذير للشعب الأمريكي بألا يقع في نفس الشرَك الذي سقط فيه السوفيت، وألا يُكون رأيًا مشوَّهًا وعنيفًا عن الطرف الآخر، وألا يعتقد أن الصراع حتمي، وأن التعايش مستحيل، وأن التواصل ما هو إلا تبادل للتهديدات.

لا توجد حكومة أو نظام اجتماعي يتسمان بالشر لدرجة أنه يجب النظر إلى شعبه بوصفه مفتقرًا للفضيلة. ونحن كأمريكيين، نعتقد أن الشيوعية نظام شديد البغض؛ لأنه ينكر حرية الأفراد وكرامتهم. إلا أننا نحيي الشعب الروسي على إنجازاته العديدة في العلوم والفضاء، والنمو الاقتصادي والصناعي، والثقافة، والأعمال التي تنم عن الشجاعة.

وليس بين الخصال الكثيرة التي تجمع بين شعبي البلدين ما هو أقوى من المقت المتبادل للحرب. وفي أمر فريد بين القوى العظمى في العالم، لم ندخل في حرب أمام بعضنا البعض. ولم تُعانِ أمة في تاريخ المعارك مثلما عانى "الاتحاد السوفيتي" أثناء "الحرب العالمية الثانية"، فقد لقي ما لا يقل عن 20 مليون شخص مصرعهم، وتعرضت ملايين لا حصر لها من المنازل والمزارع للحرق أو النهب. وتحول ثلث أراضي الدولة الذي يضم ثلثي القاعدة الصناعية إلى أرض خراب، وهي خسارة تعادل الدمار الذي لحق بهذا البلد شرق "شيكاغو".

إذا اندلعت حرب شاملة في الوقت الحالي - بصرف النظر عن طريقتها - فسوف يكون البلدان بمثابة الهدفين الرئيسيين لها. وإنه لمن السخرية أن تكون أعظم قوتين هما أكثر دولتين عرضة لخطر الدمار، ولكن هذه هي الحقيقة بحذافيرها. فكل ما شيدناه، وكل ما حققناه، سوف يُدمَّر في الساعات الأربع والعشرين الأولى. وحتى في ظل الحرب الباردة التي ترهق الكثير من البلدان بالأعباء والأخطار بما في ذلك أقرب حلفاء أمتنا، فإن البلدان يتحملان أثقل الأعباء، حيث يكرسان في سبيل الحصول على الأسلحة مبالغ مالية هائلة من الأفضل تكريسها لمحاربة الجهل والفقر والمرض. فكلانا محبوس داخل دائرة أثيمة ومحفوفة بالمخاطر يولِّد فيها الشكُ في أحد الجانبين الشكَ على الجانب الآخر، ويُسفر الحصول على أسلحة جديدة في طرف عن أسلحة مقابلة في الطرف الآخر.

خلاصة القول: توجد اهتمامات عميقة متبادلة تجمع بين "الولايات المتحدة" وحلفائها و"الاتحاد السوفيتي" وحلفائه بشأن السلام العادل الحقيقي ووقف سباق التسلح. وستحقق الاتفاقيات المُبرمَة للوصول إلى هذه الغاية مصالح "الاتحاد السوفيتي" ومصالحنا أيضًا، كما يمكن ضمان قبول معظم الأمم المعادية التزامات المعاهدة هذه والحفاظ عليها، ولا سيما التزامات المعاهدة التي ترعى مصالحها الخاصة فحسب.     لذا، دعونا لا نغمض أعيننا عن خلافاتنا، بينما نوجه اهتمامنا المباشر أيضًا نحو المصالح المشتركة والوسائل التي تستطيع حل هذه الخلافات. وإذا لم نستطع إنهاء خلافاتنا الآن، فيمكننا على الأقل المساعدة في جعل العالم مكانًا آمنًا للتعددية. وعلى سبيل التحليل النهائي، فإن أكثر الروابط الأساسية المشتركة التي تجمع بيننا هو أننا جميعًا نعيش في هذا الكوكب الصغير، نتنفس الهواء نفسه، ونفكر جميعًا في مستقبل أطفالنا؛ ونحن جميعًا بشر.

ثالثًا: دعونا نُعِدْ مراجعة موقفنا تجاه الحرب الباردة ونتذكر أننا لا نشارك في أي نقاش ونسعى إلى تراكم نقاط المناقشة. لسنا هنا لتوزيع اللوم أو لإصدار الأحكام. يجب أن نتعامل مع العالم كما هو، وليس كما كان مختلفًا خلال تاريخ الأعوام الثمانية عشر الماضية.

لذلك، يجب أن نواظب على البحث عن السلام على أمل احتمال ظهور تغييرات إيجابية داخل الكتلة الشيوعية من خلال التوصل إلى حلول تبدو بعيدة الآن. يجب أن ندير شؤوننا بمثل هذه الطريقة التي ترعى مصالح الشيوعيين للوصول إلى اتفاق بشأن السلام الحقيقي. وقبل كل شيء، وبينما ندافع عن مصالحنا الحيوية، يتعين على القوى النووية تفادي تلك المواجهات التي تخلق نزاعًا للاختيار ما بين الانسحاب المهين أو الحرب النووية. وسيكون اتخاذ هذا النوع من السبل في العصر النووي مجرد دليل على الافتقار الكامل لسياستنا أو رغبة العالم في موت جماعي.

ولضمان بلوغ هذه الغايات، فإن الأسلحة الأمريكية ليست استفزازية، ويتم التحكم فيها بعناية، ومصممة للردع، وقادرة على الاستخدام الاختياري. وتلتزم قواتنا العسكرية بالحفاظ على السلام وضبط النفس. ويتم إرشاد رجال السياسة لتجنب العبارات غير الضرورية المهيجة للمشاعر والعداوة الخطابية البحتة.

فنحن قادرون على السعي نحو تخفيف حدة التوتر دون التخفيف من حذرنا. ونحن من جانبنا لا نحتاج إلى استخدام التهديدات لنثبت أننا نملك العزيمة. ولسنا بحاجة إلى حشد إذاعات أجنبية خوفًا من تفتت ولائنا وانعدامه. إننا لا نرغب في فرض نظامنا على أي شعوب معارضة، ولكننا على استعداد للمشاركة في تنافس سلمي مع أيٍّ من شعوب الأرض ونمتلك القدرة على ذلك.

وفي غضون ذلك، نسعى إلى تعزيز "الأمم المتحدة"؛ للمساعدة في حل مشكلاتها المالية، ولتكون بمثابة أداة فعّالة لتحقيق السلام، ولتحويلها إلى نظام أمن حقيقي للعالم؛ نظام قادر على حل المنازعات على أساس القانون، وضمان أمن المجتمعات الكبيرة والصغيرة، وخلق ظروف يمكن أن تستوجب في النهاية القضاء على الأسلحة.

ونسعى في الوقت نفسه إلى استمرار عملية السلام داخل العالم غير الشيوعي؛ حيث تنقسم العديد من الأمم - وهي جميعًا بلدان صديقة لنا - إما حول القضايا التي تُضعف الوحدة الغربية، أو تلك التي تدعو إلى تدخل الحزب الشيوعي، أو التي تهدد بإثارة حرب. لقد واصلنا جهودنا في "غينيا الغربية الجديدة" و"الكونغو" و"الشرق الأوسط" و"شبه القارة الهندية" وتحلينا بالصبر بالرغم من انتقادات كلا الجانبين. لقد حاولنا أيضًا أن نكون قدوة للآخرين عن طريق السعي إلى تسوية الخلافات الصغيرة والملحوظة في الوقت نفسه بين جيراننا المقربين في "المكسيك" و"كندا".

وبالحديث عن الأمم الأخرى، أود توضيح نقطة واحدة. وهي أننا ملتزمون تجاه العديد من البلدان من خلال تحالفات. ويرجع وجود هؤلاء الحلفاء إلى توافق اهتماماتنا مع اهتماماتهم بشكلٍ جوهري. فعلى سبيل المثال: يظل التزامنا بالدفاع عن "أوروبا الغربية" و"برلين الغربية" صامدًا بقوة نتيجة لتطابق مصالحنا الحيوية. ولن تعقد "الولايات المتحدة" أية صفقات مع "الاتحاد السوفيتي" على حساب البلدان والشعوب الأخرى، ليس لأنهم شركاؤنا فحسب، وإنما لتقارب مصالحنا معهم.

إلا أن تقارب المصالح لا يتضح في الدفاع عن حدود الحرية فحسب، ولكنه يتضح أيضًا في تعقب سبل السلام. نحن نسعى مع السياسات المتحالفة لتحقيق أملنا المنشود بشأن إقناع "الاتحاد السوفيتي" أيضًا بضرورة ترك كل أمة تقرر مستقبلها الخاص، طالما لن يتعارض هذا الخيار مع خيارات الآخرين. ويعد توجُّه الحزب الشيوعي نحو فرض نظامه السياسي والاقتصادي على الآخرين هو السبب الأساسي لحدوث التوتر في العالم اليوم. ومما لاشك فيه أنه إذا استطاعت الأمم الامتناع عن التدخل في تقرير مصير الشعوب الأخرى، فسنضمن تحقيق السلام أكثر من ذي قبل.

وسيتطلب هذا جهودًا جديدة لتحقيق قانون عالمي؛ سياق جديد لمناقشات العالم. كما سيتطلب زيادة التفاهم بين السوفيت وبيننا، الأمر الذي يتطلب زيادة الاتصال والتواصل. ويمثل الترتيب المقترح لوجود خط مباشر بين "موسكو" و"واشنطن" أول خطوة في هذا الاتجاه؛ وذلك ليتجنب كلا الجانبين التأخيرات الخطيرة وسوء الفهم والتفسيرات الخاطئة لأفعال الآخرين التي قد تحدث في وقت الأزمات.

لقد تحدثنا في "جنيف" أيضًا بشأن استعدادات الخطوة الأولى الأخرى لتخفيض التسلح بقصد الحد من شدة سباق التسلح وتقليل مخاطر الحرب التي تندلع دون استعداد. ومع ذلك، تُعد مصالحنا الرئيسية طويلة الأجل في "جنيف" عامة وتنطوي على نزع السلاح بالكامل، ومُعدّة للحدوث في مراحل، بحيث تسمح للتطورات السياسة المتماثلة أن تشيد مؤسسات جديدة للسلام بدلاً من مؤسسات الأسلحة. لقد سعت هذه "الحكومة" في محاولات لنزع الأسلحة منذ العشرينيات. وقد كان طلبًا ملحًا سعت إليه الحكومات الثلاث السابقة. ومهما تكن ظلمة التوقعات الحالية، فقد عزمنا على الاستمرار في هذه المحاولات؛ حتى تتمكن جميع البلدان بما في ذلك بلادنا من إدراك مشكلات نزع السلاح واحتمالات ذلك بشكل أفضل.

يتمثل الجانب الرئيسي لهذه المفاوضات التي تلوح نهايتها على مرمى من البصر - بالرغم من أننا لا نزال في حاجة ماسة إلى بداية جديدة - في إبرام معاهدة لحظر التجارب النووية. وسيؤدي إبرام هذه المعاهدة وشيكة الحدوث والتي لم يتم تطبيقها بعد، إلى مراجعة تصاعد سباق التسلح في أحد المجالات الأكثر خطورة، وستضع القوى النووية في موضع يجعلها تتعامل بمزيد من الفعالية مع أحد المخاطر الهائلة التي يواجهها الإنسان في عام 1963، ألا وهو الانتشار الزائد للأسلحة النووية. كما ستعمل هذه الاتفاقية على زيادة الأمان، وتقليل احتمالات الحروب. ويحظى هذا الهدف بالتأكيد بقدرٍ كافٍ من الأهمية التي تتطلب سعينا المستمر، وعدم الاستسلام لإغراءات التخلي عن جهودنا أو إغراءات التخلي عن إصرارنا في سبيل تحقيق الأمان الأساسي الموثوق به.

لذلك، أغتنم هذه الفرصة للإعلان عن قرارين مهمين في هذا الصدد.

أولاً: لقد اتفقت مع الرئيس "خروتشوف" ورئيس الوزراء "ماكميلان" على بدء المناقشات رفيعة المستوى قريبًا في "موسكو" بحثًا عن اتفاق مبكر بشأن معاهدة الحظر الشامل على التجارب النووية. ويجب أن نخفف من حدة آمالنا بأخذ حذرنا من التاريخ، ولكن دون أن تضيع آمالنا، فضياعها بمثابة ضياع للبشرية جمعاء.

ثانيًا: لتوضيح حسن نيتنا وإيماننا الراسخ الجليل بهذا الأمر، فإنني أعلن الآن بأن "الولايات المتحدة" لن تعتزم إجراء تجارب نووية في المنطقة مادامت الدول الأخرى لن تفعل ذلك، ولن نكون أول من يستمر في ذلك. وليس هذا البيان بديلاً للمعاهدة الملزمة الرسمية، ولكنني أتمنى أن يساعدنا في تحقيق هدفنا. وليست هذه المعاهدة أيضًا مسألة بديلة لنزع السلاح، ولكنني أتمنى أن تساعدنا في تحقيق ذلك.

وختامًا أيها الإخوة المواطنون، دعونا نراجع موقفنا تجاه السلام والحرية هنا في وطننا. فلا بد أن تبرر خصائص مجتمعنا وروحه وطباعه الجهود التي نبذلها في الخارج وتدعمها. ويجب أن نكرس حياتنا لتوضيح ذلك الأمر؛ فسيحصل الكثير من الخريجين منكم اليوم على فرصة فريدة من نوعها للقيام بذلك، عن طريق العمل بلا مقابل في "فِرق السلام" بالخارج، أو في "فِرق الخدمة الوطنية" المرشحة هنا.

ولكن أينما نكن، يجب علينا جميعًا على مدار حياتنا اليومية أن نحيا ونحن على ثقة وإيمان راسخ بأن السلام والحرية يسيران في طريق واحد جنبًا إلى جنب. فالسلام غير مأمون في كثير من مدننا اليوم؛ لأن الحرية غير مكتملة.

تتضح مسؤولية السلطة التنفيذية على جميع مستويات الحكومة المحلية والرسمية والقومية في توفير الحرية لجميع المواطنين وحمايتها بكل الوسائل داخل هذه السلطة. وتتضح مسؤولية السلطة التشريعية بكل مستوياتها في توفير تلك السلطة بشكلٍ كافٍ في المناطق التي تفتقر إليها الآن. بينما تكمن مسؤولية جميع المواطنين في جميع قطاعات هذا البلد في احترام حقوق غيرهم، وعدم الخروج على القانون السائد.

وكل هذا ليس ببعيد عن السلام العالمي. يقول الكتاب المقدس: "إذا أرضت الرب طرق إنسان، جعل أعداءه أيضًا يسالمونه". أليس السلام بمفهومه النهائي هو مسألة أساسية تتعلق بحقوق الإنسان؟ بحق العيش دون خوفٍ من الخراب والتدمير؟ وبحق تنفس هواء طبيعي؟ وبحق الأجيال القادمة في عيش حياة صحية؟

وبينما نواصل حماية مصالحنا القومية، دعونا أيضًا نتولَّ حماية مصالح البشرية. وبالتأكيد سيؤدي القضاء على الحروب والأسلحة إلى تحقيق مصالح الطرفين. ولا توجد معاهدة - مهما كانت مجدية بالنسبة إلى الجميع، ومهما كانت مُحكمة الصياغة - تستطيع توفير أمان مطلق من مخاطر الاحتيال والمراوغة. ولكن إذا كان تنفيذها يتمتع بقدرٍ كافٍ من الفعّالية، وتكفي لتحقيق مصالح أطرافها، فإنها تستطيع توفير المزيد من الأمان والحد من المخاطر بصورة أفضل من تلك المخاطر الناتجة من سباق التسلح الذي لا ينقطع ويصعب التحكم فيه أو التنبؤ به.

وكما يعرف العالم، لن تبدأ "الولايات المتحدة" بشن أي حروب. فنحن لا نريد الحرب، ولا نتوقع اندلاع أية حروب الآن. لقد نال هذا الجيل كفايته من الحروب؛ وتعرض لكثير من الحروب والكراهية والظلم. ويجب أن نستعد إذا رغبت شعوب أخرى في ذلك. ويجب أن نأخذ حذرنا لمحاولة إيقافها. ولكن يجب أن نؤدي دورنا أيضًا لخلق عالم ينعم بالسلام ويحظى فيه الضعيف بالأمان ويتسم فيه القوي بالعدالة. ولسنا عاجزين أمام تنفيذ تلك المهمة أو يائسين من تحقيق نجاحها. ونعمل بكل ثقة واطمئنان في سبيل تحقيق إستراتيجية للسلام لا للإبادة.